محمد بن جرير الطبري

126

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

عن مالك بن أنس ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله يقول لأهل الجنة : يا أهل الجنة فيقولون : لبيك ربنا وسعديك فيقول : هل رضيتم ؟ فيقولون : وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك فيقول أنا أعطيتكم أفضل من ذلك قالوا : يا رب وأي شيء أفضل من ذلك ؟ قال : أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا " . حدثنا ابن حميد ، قال : ثني يعقوب ، عن حفص ، عن شمر ، قال : يجيء القرآن يوم القيامة في صورة الرجل الشاحب إلى الرجل ، حين ينشق عنه قبره ، فيقول : أبشر بكرامة الله ، أبشر برضوان الله فيقول مثلك من يبشر بالخير ومن أنت ؟ فيقول : أنا القرآن الذي كنت أسهر ليلك ، وأظمئ نهارك . فيحمله على رقبته ، حتى يوافي به ربه ، فيمثل بين يديه ، فيقول : يا رب عبدك هذا اجزه عني خيرا ، فقد كنت أسهر ليله ، وأظمئ نهاره ، وآمره فيطيعني ، وأنها فيطيعني فيقول الرب تبارك وتعالى : فله حلة الكرامة فيقول : أي رب زده ، فإنه أهل ذلك فيقول : فله رضواني قال : ورضوان من الله أكبر . وابتدئ الخبر عن رضوان الله للمؤمنين والمؤمنات أنه أكبر من كل ما ذكر جل ثناؤه ، فرفع ، وإن كان الرضوان فيما قد وعدهم ، ولم يعطف به في الإعراب على الجنات والمساكن الطيبة ، ليعلم بذلك تفضيل الله رضوانه عن المؤمنين على سائر ما قسم لهم من فضله وأعطاهم من كرامته ، نظير قول القائل في الكلام الآخر أعطيتك ووصلتك بكذا ، وأكرمتك ، ورضاي بعد عنك أفضل ذلك . ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ هذه الأشياء التي وعدت المؤمنين والمؤمنات ، هو الفوز العظيم ، يقول : هو الظفر العظيم والنجاء الجسيم ، لأنهم ظفروا بكرامة الأبد ، ونجوا من الهوان في السفر ، فهو الفوز العظيم الذي لا شيء أعظم منه . القول في تأويل قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ يقول تعالى ذكره : يا أيها النبي جاهد الكفار بالسيف والسلاح والمنافقين . واختلف أهل التأويل في صفة الجهاد الذي أمر الله نبيه به في المنافقين ، فقال بعضهم : أمره بجهادهم باليد واللسان ، وبكل ما أطاق جهادهم به . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا حميد بن عبد الرحمن ويحيى بن آدم ، عن حسن بن صالح ، عن علي بن الأقمر ، عن عمرو بن جندب ، عن ابن مسعود ، في قوله تعالى : جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ الجهاد قال : بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، فإن لم يستطع فليكفهر في وجهه . وقال آخرون : بل أمره بجهادهم باللسان الجهاد . ذكر من قال ذلك : حدثني المثني ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ الجهاد فأمره الله بجهاد الكفار بالسيف والمنافقين باللسان ، وأذهب الرفق عنهم . حدثنا القاسم ، قال : ثني الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قال : قال ابن عباس : جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ الجهاد قال : الكفار بالقتال ، والمنافقين : أن تغلظ عليهم بالكلام . حدثت عن الحسين بن الفرج ، قال : سمعت أبا معاذ ، قال : أخبرنا عبيد بن سليمان ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ الجهاد يقول : جاهد الكفار بالسيف ، وأغلظ على المنافقين بالكلام ؛ وهو مجاهدتهم . وقال آخرون : بل أمره بإقامة الحدود عليهم الجهاد . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن الحسن : جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ الجهاد قال : جاهد الكفار بالسيف ، والمنافقين بالحدود ، أقم عليهم حدود الله . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله :